حسن الأمين

306

مستدركات أعيان الشيعة

من أمرهم فإنه لا يستطيع أن يخلق شيئا من لا شيء . وينسب إليهم الشرف من غير أن يكون لهم من الشرف نصيب . وبالتالي فإنه يمكن القول إن أجداد البحتري كان لهم نصيب من المجد في قومهم هيا للبحتري مجال الفخر بهم . ولعل جده كان من قواد المسلمين يوم فتحوا منبج وأخذوها من أيدي الروم . ولسنا نعرف هذا الجد الذي رفع صوته بالآذان في منبج . اسمه وكنيته ولقبه سمي بالوليد واشتقاقه من الولادة ظاهر وإياه عنى المعري بقوله : وقال الوليد : النبع ليس بمثمر وأخطأ سرب الوحش من ثمر النبع ويشير المعري هنا إلى قول البحتري : وعيرتني سجال العدم جاهلة والنبع عريان ما في فرعه ثمر وللوليد كنيتان : أبو عبادة وأبو الحسن . ونشك في أنه اكتنى بكنيتين عند ولادته وأغلب الظن ان والده كناه بواحدة فما هي كنيته الأولى ؟ ولم رغب في أن تكون له كنية ثانية ؟ تقول بعض الروايات انه كان يكنى أبا عبادة ولما دخل العراق تكنى أبا الحسن ليزيل العنجهية والأعرابية ويساوي في مذاهبه أهل الحاضرة ويقرب بهذه الكنية إلى أهل النباهة والكتاب من الشيعة . فلما اتصل بالمتوكل وهو يكره الشيعة ويضطهدهم أشير على البحتري أن يتكنى بكنيته الأولى وهي أبو عبادة ففعل حتى أصبحت أشهر كنيتيه وبها عرف . وتقول رواية أخرى ان كنيته الأولى كانت أبا الحسن فلما اتصل بالمتوكل غيرها إلى أبي عبادة . وإلى هذا نميل نحن لما عرف من محبة البحتري الصادقة للعلويين . وأبو الحسن كنية الإمام علي بن أبي طالب ع كما هو معروف . وأما الاسم الذي اشتهر به في عالم الأدب واستتر تحت شهرته اسمه وكنيتاه فهو البحتري هذه النسبة التي تدل على أنه من عشيرة « بحتر » من قبيلة طيئ التي كثيرا ما فاخر بمحامدها أو نسبة إلى « بحتر » جده الثاني عشر إذا صحت سلسلة نسبه أو للسببين معا . والبحتر في اللغة معناه : القصير ، المجتمع الخلق . ولسنا ندري مقدار حظ جده من هذه التسمية . فهل كان قصيرا مجتمع الخلق ؟ أو كانت التسمية من باب الأضداد ؟ أو كانت مطلق تسمية لم يلحظ فيها معنى الوصفية بل أريد الدلالة على الذات فحسب ؟ نشأته نشا البحتري وتعلم في منبج . والغالب انه تربى كما كان يتربى نشء المسلمين حينئذ فهم يحفظون القرآن ثم يضيفون اليه حفظ شيء من الشعر والنثر البليغين وتعلم أحكام الدين . ثم إذا ترعرع الفتى اختلف إلى علماء بلده فاخذ عنهم شيئا من علوم اللغة وأخبار الفتوح والمغازي وأيام العرب وأنسابهم . وقد كان للبادية أثر مميز في نشأة البحتري . ويبدو أن أول من اتصل به من الشعراء هو أبو تمام . وبعض الروايات التي تتحدث عن أول لقاء لهما أقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع كتلك القصة التي تحدثت عن قصيدة قالها البحتري في مديح محمد بن يوسف الثغري - وكان أبو تمام حاضرا والبحتري لا يعرفه - فادعاها أبو تمام لنفسه وصدقه الأمير لولا أن يعود أبو تمام عن قوله . والعلاقة بين الشاعرين أصبحت أكثر من جيدة إذ خاطبه أبو تمام بعد أن عرف انه من طيئ : لوددت ان كل طائية تلد مثلك وقبل ما بين عينيه وضمه إلى صدره وقال لمحمد بن يوسف : قد جعلت له جائزتي . فأمر الأمير لهما بجائزتين . وأخبار العلاقة الجيدة بين الشاعرين مبثوثة في حنايا كتاب الأغاني . وقد يرتاب شاك في صحة بعض هذه الروايات أو كلها ويرى لأنصار شاعرنا حينا وأنصار أبي تمام حينا آخر إصبعا في اختلاقها ووضعها رغبة في رفع من يتعصبون له . ولكن ذلك لن يحول بيننا وبين الاعتراف بما كان بين الشاعرين من صادق الحب والوداد خاصة في غياب أية رواية تظهر عكس ذلك . هذه العلاقة بين البحتري وأبي تمام هي التي جعلته يتبرم بباقي شعراء عصره ويعدهم أصحاب قريحة مضطربة ومعان مستحيلة فيرثي أبا تمام ودعبلا الخزاعي بقوله : قد زاد في حزني وأوقد لوعتي مثوى حبيب يوم مات ودعبل وبقاء ضرب « الخثعمي » وشبهه من كل مضطرب القريحة مهمل أهل المعاني المستحيلة ان هم طلبوا البراعة بالكلام المقفل اتصل البحتري إذن بدعبل كما يدل عليه هذا الشعر . ولكن اتصاله به لم يكن في وثاقة اتصاله بأبي تمام . ويبدو ذلك من قلة الأخبار التي رويت عن اتصالهما بالنسبة إلى اخبار اتصاله بأبي تمام . ولسنا ندري أكانت العلاقة بينهما علاقة استاذية من دعبل للبحتري أو علاقة صداقة فحسب . والواقع ان العلاقة القوية بين الشعراء الثلاثة تقوم على ما كان يربط بينهم من التشيع والولاء لآل البيت . حبه علوة أثناء رحلة قام بها البحتري إلى حلب تعرف على غادة فتن بها اسمها علوة . ويذكر بروكلمان في معرض التدليل على شهرة البحتري وديوع شعره بين المتأخرين أن أهل حلب في المائة الخامسة للهجرة عرفوا قبر حبيبته علوة . وقد حفظ لنا البحتري في شعره بعض أوصاف لها خرجت من قلب مغرم : هل دين علوة يستطاع فيقتضى أو ظلم علوة يستفيق فيقصر بيضاء يعطيك القضيب قوامها ويريك عينيها الغزال الأحور تمشي فتحكم في القلوب بدلها وتميس في ظل الشباب وتخطر وتميل من لين الصبا فيقيمها قد يؤنث تارة ويذكر . . أحب البحتري علوة ولسنا ندري السبب الذي من أجله حيل بينه وبين الزواج منها ، غير أنه من المرجح انه قد نعم معها بأيام سعيدة كان يستريح لذكراها ويستعيدها في الحين بعد الحين . ولم تنسه حياة الرفاهية والنعمة التي عرفها في ظلال المتوكل والفتح بن خاقان أيامه الحلوة معها وبقي حنينه قويا إلى الشام وحلب : قل للسحاب إذا حدته الشمال وسرى بليل ركبه المتجمل